الآن أمر بمرحلة تجارب! أول قرار قررته سأستفيد من النصائح ولكن سأطبق ما أراه مناسباً، أنا أعلم أنهن قد يدخلن هنا ويقرأن ما أكتبه عنهن، لذا: أحبكم يا معلماتي الصغيرات، وأحبكم حين تتعلمون بأنفسكم وتجددون رغباتكم في اكتشاف تفاصيل الحياة الصغيرة! خاصة حين تبدؤون تلك الرحلة بعلامة استفهام تبدو تافهة عند أحدهم لكنها في كونكم بالدنيا.
دخلت عليهم يوماً ما لنكمل الحديث حول درس مراقبة الله عزوجل.
م:مس نبا نيلس عالطاولة!
هذا الطلب يحتمل أشياء كثيرة: اختبار لمدى تساهلي، رغبة في التمرد، مجرد طلب، رغبة في التغيير، فوضى.
من يريد أن يجلس على الطاولة؟
كان هذا السؤال رغبة في معرفة النوايا، الشقيات منهن رفعن أيديهن، ثم بدت أيدٍ خجولة ترتفع هي شقية نوعاً ما لكنها مجتهدة وذكية، حتى كاد جميع الفصل أن يرفع يده.
اجلسن على الطاولة.
ماذا أفعل في عقول ملقاة على الكراسي بملل، تسمع كلمات بالجملة مثل: بس، لا، اسكتوا، خلاااااص! تفكر في اللحظة القادمة التي تريد أن تطبق فيها ما تهواه، وهذه اللحظة في أذهانهم ليست سوى ما بعد الحصة، لن يكون أبداً، سيكون ما يريدون الآن، سأعطيهم ليعطوني أسماعهم وشيئاً من قلوبهن، ليتعلموا كيف يتعلموا.
هناك قليلٌ من الفوضى مع الجلوس على الطاولة، لكن لابد منها، الحرب مع الفوضى خاسرة إلا في الثكنات العسكرية، وأنا أعدهم هنا لحب الحياة! لا لمواجهة العدو، وحب الحياة يستلزم منهن التعايش مع فوضاها، أكثر من إلغائها.
أحياناً تنعكس النماذج التي ارتسمت في عقلي من ذكريات المدرسة، وأخرى من صورة المعلم الأفضل الذي يجب أن يكون الهدوء في صفه كأنه يخطب الجمعة، فآتي لأقدم على ارتكاب جريمة في حق كل ما يملكون من مشاعر ورغبات وأفكار واحتياجات، وأقول لهم: بس يا بنات!
وحين أفعل ذلك أهرع للتعويض بابتسامة وثناء وحكاية وسؤال، أندم كثيراً وأقرر ألا أعود، وأنكب بحثاً في وسائل الجذب البسيطة السريعة التي تجعل الأذهان مشدوهة للقادم دون حاجة لطلب الصمت.
الحرب مع الفوضى حرب خاسرة، التعايش معها داخل الصف تجعله مكاناً أكثر واقعية لما في البيئة الخارجية والحياة، الحرب مع الفوضى قتل للحرية، للطلاقة، للانطلاق، الحرب مع الفوضى وأد لكل ما قد تنتجه من جمال لا يصدق لو استثمرت بشكل صحيح، الحرب مع الفوضى تورث مهزومين نفسياً، قتلى رغبات، وجرحى مشاعر.
الحرب مع الفوضى قد تشعرك بالانتصار لساعة، لكنها تهزمك جيلاً كاملاً.